صديق الحسيني القنوجي البخاري
585
فتح البيان في مقاصد القرآن
وعن بريد قال : الصَّمَدُ الذي لا جوف له وروي عنه مرفوعا ولا يصح رفعه وعن ابن مسعود مثله وفي لفظ ليس له أحشاء ، وعن ابن عباس مثله ، وعنه قال الصمد الذي لا يطعم وهو المصمت ، وقد روي عنه أنه الذي يصمد إليه في الحوائج ، وفي لفظ الصمد السيد الذي قد كمل في سؤدده الشريف الذي قد كمل في شرفه ، والعظيم الذي قد كمل في عظمته ، والحليم الذي قد كمل في حلمه ، والغني الذي قد كمل في غناه ، والجبار الذي قد كمل في جبروته ، والعالم الذي قد كمل في علمه ، والحكيم الذي قد كمل في حكمته ، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد ، وهو اللّه سبحانه ، هذه صفة لا تنبغي إلا له ، ليس له كفء وليس كمثله شيء . وعن ابن مسعود قال الصمد وهو السيد الذي قد انتهى سؤدده فلا شيء أسود منه ، وعن ابن عباس قال الصمد الذي تصمد إليه الأشياء إذا نزل بهم كربة أو بلاء . لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ أي لم يصدر عنه ولد كما ولدت مريم . ولم يصدر هو عن شيء كما ولد عيسى وعزير لأنه لا يجانسه شيء ، ولاستحالة نسبة العدم إليه سابقا ولاحقا وقد دل على هذا قوله تعالى : أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ [ الأنعام : 101 ] قال قتادة إن مشركي العرب قالوا الملائكة بنات اللّه ، وقالت اليهود عزير ابن اللّه ، وقالت النصارى المسيح ابن اللّه ، فأكذبهم اللّه فقال لم يلد ولم يولد . قال الرازي قدم ذكر نفي الولد مع أن الوالد مقدم للاهتمام لأجل ما كان يقوله الكفار من المشركين الملائكة بنات اللّه واليهود عزير ابن اللّه والنصارى المسيح ابن اللّه ، ولم يدع أحد أن له والدا فلهذا السبب بدأ بالأهم فقال لم يلد . ثم أشار إلى الحجة فقال ولم يولد كأنه قيل الدليل على امتناع الولد اتفاقنا على أنه ما كان ولدا لغيره ، وإنما عبر سبحانه بما يفيد انتفاء كونه لم يلد ولم يولد في الماضي ولم يذكر ما يفيد انتفاء كونه كذلك في المستقبل لأنه ورد جوابا عن قولهم ( ولد اللّه ) كما حكى اللّه عنهم بقوله ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد اللّه . فلما كان المقصود من هذه الآية تكذيب قولهم وهم إنما قالوا ذلك بلفظ يفيد المنفي فيما مضى وردت الآية لدفع قولهم هذا . وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ هذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها لأنه سبحانه إذا كان متصفا بالصفات المتقدمة كان متصفا بكونه لم يكافئه أحد ولم يماثله ولا يشاركه في شيء ، وآخر اسم كان لرعاية الفواصل . وقوله ( له ) متعلق بقوله كفوا قدم عليه لرعاية الاهتمام لأن المقصود نفي المكافأة عن ذاته . وقيل إنه في محل نصب على الحال والأول أولى .